محمود بن حمزة الكرماني
9
اسرار التكرار في القرآن
انشق البحر لموسى فقد عبر القرآن المحيطات ، واجتاز الوعر والسهل . تلك عظمة القرآن ، وتلك مكانته العالمية التابعة لمكانته عند اللّه ، ومن ثم تكون مكانة العالمين على خدمته ، الدائبين على الكشف عن أسراره ودلائل إعجازه ، وكنوز عظمته ، فمن هذا الكشف يكون استمساك اتباع القرآن به ، ويكون إصرارهم على العمل بمقتضاه ، ويكون لهم من قوة الإيمان ما يؤهلهم للمهمة التي كلفهم اللّه تعالى به : أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس ، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر على المستوى المحلى والعالمي على السواء . فالقرآن هو الذي بقي من الكتب السماوية منضبطا في صورته ، واضحا في معالمه ، غالبا كل الغلبة على محاولات التزييف في الشكل أو المعنى رغم الجهود المضنية التي بذلت في هذا السبيل ، أثيرا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الذين أخذوه مأخذ الحفظ والعلم والعمل ، فأحاطوه بقلوبهم وجدانا ، وبعقولهم فهما ودرسا ، وأقاموا على صراطه أنفسهم ، ودعوا الناس جميعا إلى اللّه وإلى سبيل اللّه على بصيرة وعلم وهدى . ولقد أراد اللّه تعالى أن يبقى القرآن وثيقا كل الوثاقة في نصوصه ، وسلوك الصحابة على صراطه ، لأنه منهاج دعوة ودستور حياة للفرد والدولة جميعا . فهو منهاج دعوة من حيث نزوله على مدى عشرين عاما من الزمان على مقتضى الظروف والأحوال التي يقتضيها بناء أمة قرآنية مجاهدة مظفرة ، ترتفع من حضيض الشرك والفوضى والإثم إلى قمة الإيمان والنظام وطهارة القلب واليد والجسد ، ولم يكن بناء هذه الأمة على هذه الصورة إلّا ثمرة للقدوة السلوكية والدعوة مجتمعين .